آخر الأخبار

التكليف.. نظام ميؤوس منه

أصبح الأطباء أمام أصعب فترات حياتهم المهنية خلال صدمة كبيرة.. «التكليف» مهمة يعيشها الأطباء عقب التخرج في كلية الطب، حيث يجد الطبيب نفسه مكلفاً بالعمل في وحدة صحية داخل إحدى المحافظات، لا يتحقق له فيها التدريب الحقيقي المنشود، ولا يتوفر بها الآليات المناسبة لتأدية واجبه الطبي، فيمارس مهنته بدون أدوات أو خدمات أو حتى أجهزة طبية جيدة، مقابل راتب هزيل للغاية لا يرتقي إلى أهمية عمله الكبير، بالإضافة إلى عدم توافر التأمين عليه، أو حتى أبسط حقوقه في العيش داخل سكن مناسب.

يأتي ذلك في الوقت الذي أثيرت فيه مؤخراً أزمة كبيرة بين نقابة الأطباء ووزارة الصحة بشأن أطباء التكليف، مما حوله إلى نظام ميؤوس منه ويحتاج إلى حل عاجل لإنقاذه.

حياة طبية بدائية

وحول مظاهر المعاناة التي يعيشها الأطباء يقول د. محمود محروس ممارس عام مكلف بالوحدة الصحية بقرية بدهل بمركز سمسطا بني سويف: إن الإمكانيات بالوحدات الصحية بمعظم قرى المركز في هذه المحافظة غير متوفرة، مشيراً إلى أنه لا توجد أجهزة الأشعة التليفزيونية، كما لا تتوفر حتى الأدوات الطبية البدائية من سماعات وجهاز ضغط، وحتى إن توفرت تكون إما متهالكة وغير دقيقة، مؤكداً أن الوحدات الصحية لا تجد اهتماماً وافراً من الدولة.

وكشف عن وجود مشكلة كبيرة تتعلق بسكن الأطباء، وأشار إلى أنه طالب ،« غير آدمي » والذي وصفه بأنه وكيل وزارة الصحة بحل إحدى المشكلات التي تهدد عمل الأطباء أثناء تكليفهم في الوحدات الصحية، وتتمثل في أداء العاملين المرافقين للطبيب داخل الوحدة الصحية، حيث يتعمد غالبيتهم عدم الانضباط في المواعيد والغياب المستمر، بخلاف حالة التسيب في أداء عملهم تجاه المرضى، بل ويحصلون على بدلات لا يستحقونها دون محاسبتهم، نظراً لأنهم يشكلون يحتمون ببعضهم باعتبارهم من أهالي « رابطة » دائماً القرية، مما يتطلب ضرورة تشكيل فريق عمل يكون من خارج القرية الخاصة بالوحدة الصحية.

وشدد على أن المنظومة الصحية بهذا الشكل تكون فاشلة ولا تحقق الهدف منها، وطالب بضرورة إعادة النظر في وضع الوحدات الصحية والمستشفيات العامة.

غياب الحافز المالي

وتقول الدكتورة غادة سامي طبيبة بالوحدة الصحية بمركز يوسف الصديق في محافظة الفيوم إن المشكلة الحقيقية التي تواجهني هي عدم وجود الحافز المالي الكافي، خاصة وأنا من محافظة بني سويف وأضطر للسفر يوميا إلى الفيوم، مما يكبدني عناء ما يزيد على 7 ساعات ذهابا وإيابا، فضلا عن التكلفة المادية للسفر، ويعود سبب عدم صرف الحافز المادي إلى قرار مجلس الوزراء بعدم الاعتراف بمحافظة الفيوم على أنها من المحافظات الخاضعة لزيادة البدل الطبي، حيث أتقاضى راتبا مساويا لأي طبيب تكليفه بنفس المنطقة التي يسكن بها، كما أنني كفتاة لا يمكنني المبيت داخل الوحدة الصحية بالفيوم.

وأضافت: هناك مشكلة أخرى تتعلق بغياب التأمين على المنشآت الطبية، فضلا عن تهالك سكن الأطباء، ويتعرض العمل للتوقف بشكل مستمر بسبب أزمة انقطاع الكهرباء والمياه والتي تؤدي تلقائيا لتوقف أجهزة السونار والتعقيم.

وتستعرض مظاهر المعاناة داخل الوحدة الصحية، مؤكدة أنه لا تتوافر بها أساسيات العمل من أدوات جراحة وأدوية، كما أن الطامة الكبرى أن المركز بأكمله لا توجد به سيارة إسعاف، مما يضطر الأهالي لنقل الحالات بسيارة خاصة.

وتقول: "عادة ما أشعر بالعجز أثناء عملي لأن أبسط الخدمات لا أستطيع تقديمها للحالة حتى وإن كانت جرحا بسيطا، مما يجعلني أضطر لتحويل الحالة إلى المستشفى المركزي".

تصحيح الأوضاع

ويقول الدكتور محمد عرفة المقيم بالوحدة الصحية بالنواميس مركز البداري أسيوط: إن الوزارة لا تعتبر أسيوط ضمن المحافظات النائية، وبالتالي لا تعتمد لها بدلاً إضافياً، وأكد أنه رغم المشاكل التي يواجهها أطباء التكليف إلا أن الموقف حالياً أصبح أفضل من ذي قبل، حيث زادت رواتب الأطباء للتراوح ما بين 1800 و 1900 جنيه، بالإضافة إلي صرف بدلات النوبتجيات التي تصل إلى نحو ألف جنيه إذا تواجد الطبيب لمدة 15 نوبتجية شهرياً ، بالإضافة إلى بدل التكليف إلي محافظة نائية إذا كان الطبيب مكلفا بإحدى المحافظات الحدودية، مثل سيناء ومطروح أو نائية إداريا مثل سوهاج وقنا والأقصر، فضلا عن مكافأة التقييم، وأنا شخصياً أعتبر هذه الأرقام إنجازا كخطوة في تصحيح المسار .

جعلوني مديرًا

وأضاف أن المشكلة الحقيقية تكمن في تحويل الطبيب إلى مدير إداري ومالي وطبي بمجرد تخرجه وهو في احتياج حقيقي لتمرس مهنة الطب، حيث يكون مسؤولاً عن منشأة كاملة تضم عمالا وموظفين وفريق تمريض على خبرة تصل إلى 30 عاما، في حين يكون الطبيب حديث التخرج وكل معلوماته طبية بحتة، ولا يملك معلومات عن الإدارة والمحاسبة والماليات، فيجد الطبيب نفسه مسؤولاً عن حالات الوفاة والتطعيمات لنحو 1000 أسرة؛ أي ما يتجاوز 5000 نسمة، إلي جانب أن الطبيب بمجرد تخرجه يسعي لتحقيق ذاته، فيجد نفسه فريسة لروتين يومي يلتهمه، وبالرغم من هذا كله تحاول النقابة عن طريق لجنة الشباب بالمحافظة الاهتمام بنا كأطباء تكليف والتوعية بالحقوق والواجبات وتقديم التدريبات اللازمة قدر الإمكان، عبر دورات تدريبية عن الحالات الطارئة والخطرة وتنظيم الأسرة ومتابعة الحمل .

موقف النقابة

وحول موقف نقابة الأطباء من أزمة التكليف يؤكد د. راجح السياجي، عضو مجلس نقابة الأطباء ومسؤول ملف التكليف، أن وزارة الصحة تعلن دائماً عن خطوات نحو الإصلاح والتطوير، حيث تقوم بالفعل بتخصيص اعتمادات لتجديد المباني والمنشآت وأحيانا إمداد الوحدات بمزيد من الأسرة والأجهزة، ولكن مازال الاهتمام بالعنصر البشري غائباً، متسائلاً: أين التمريض المتخصص المدرب ؟ وأين الأجور العادلة للأطباء والسكن الآدمي الذي يشجعهم علي الترحيب بالتكليف؟

وطالب الوزارة بطرح ميزانيتها في بيان رسمي لإيضاح أوجه الصرف، وتوجيه الوزارة بأولويات الإنفاق كخطوة أولى للإصلاح.

ويرصد « د.راجي » أهم المشكلات، منها: نظام تكليف الأطباء، وتتمثل في إهدار فرصة طبيب التكليف في الحصول علي التدريبات اللازمة، موضحا أنه لا يوجد نظام فعلي يحقق تكافؤ الفرص بين الأطباء في الحصول علي التدريبات، مشيراً إلى أن التقسيم الإداري للمحافظات يضع على سبيل المثال طبيب المطرية في خانة محافظة الدقهلية رغم قرب المسافة لجامعة عين شمس وحتى القاهرة، في الوقت الذي يضع طبيب وادي النطرون في خانة البحيرة وقد لا يتمكن من حضور تدريب بمحافظته لبعد المسافة .

وأضاف: هناك أيضا مشاكل متكررة للأطباء بالمناطق البعيدة والنائية مثل عدم توافر الظروف المعيشية والمواصلات المناسبة، إلى جانب أن الخدمات من كهرباء ومياه وصرف صحي والبنية التحتية للوحدات بالقرى تكون شبه معدومة، أيضاً لا توجد خدمات أمنية لحماية المتواجدين خصوصاً في فترة المساء، وبالإضافة لذلك يتصاعد القلق في حال إذا كان المكلف طبيبة تسكن في مبيت غير آدمي بلا خدمات ووحدة ينقصها الأدوات الطبية وبلا بدل كافٍ .

 أما عن التجهيزات فيصل الأمر إلى حد نقص القطن والشاش، فعلى سبيل المثال الوحدات بالصعيد لا يتوافر لديها مصل العقرب، رغم أن هذه المناطق تتكرر بها حالات لدغات العقرب وقد يموت المصاب لعدم توافر المصل، وتأتي أبرز المشكلات والتي تتعلق بالرواتب، خصوصاً بعد تطبيق قانون 14 للمهن الطبية، والذي اعتبر أن بدل المناطق النائية من حقالمحافظات الحدودية، بينما حدد ثلاث محافظات هي قنا وسوهاج والأقصر لا يحصل الطبيب من أبناء هذه المحافظات على البدل، إلا إذا أثبت أنه يقيم على مسافة تبعد أكثر من 40 كيلو متراً عن موقع تكليفه . وكشف مسؤول النقابة عن تقديم مقترح ببرنامج تدريبي يوفر خطا ساخنا لأطباء الامتياز والتكليف للتواصل مع ذوي الخبرة والأساتذة والأخصائيين كمرجع لهم، موضحاً أنه أمر غير إلزامي بل مجرد عمل تطوعي من الأساتذة.

مواضيع ذات صلة

الممرضة .. جاني أم مجني عليها

مَن يظن أن الطبيب هو العنصر الوحيد في نجاح المنظومة الطبية، عليه أن يراجع نفسه، وباعتراف أساتذة الطب أنفسهم أكدوا أن الممرضة تعد العمود الفقري في أي مستشفى
أقرا المزيد

السوق السوداء للطب في مصر

الطب علم واسع لم يصل الإنسان إلى مداه حتى الآن، ويعد الطبيب من أهم المهن المصيرية التي تمس حياة البشر بشكلٍ عام
أقرا المزيد

80% من المرضى لا يلجأون للطبيب

ثَمَّن الدكتور خالد سمير أستاذ جراحة القلب بطب عين شمس وعضو مجلس نقابة الأطباء، حجم تجارة الخدمات "شبه الطبية" المقدمة للمرضى من قبل غير المتخصصين "أطباء" بنحو 4 مليارات جنيه سنويا
أقرا المزيد

مخاطر العلاج على يد «الفتايين»

"الفتايين" لقب باللغة العامية اخترعه المجتمع لمن يقومون بالفتوى في أي شيء ويتحدثون في كل شيء، وكأنهم يملكون الحقيقة ويسيرون دائما على المثل الشعبي الخاطئ الذي يقول "اسأل مجرب ولا تسال طبيب"،
أقرا المزيد

الداية.. «عشماوي» الأمهات والأجنة

القبض على "داية" أجرت عملية ختان بـ "موس حلاقة" .. "داية" تتسبب في وفاة جنين أثناء الولادة أو وفاة أم وجنينها لإصرارها الخاطئ على الولادة الطبيعية
أقرا المزيد

الدجالون.. العلاج بالوهم

ضعف الإيمان بالقضاء والقدر والجهل وانتشار الأمية، كانت أقصر الطرق التي أدت إلى لجوء عدد كبير من أصحاب الأمراض خاصة في الصعيد إلى العلاج بالوهم لدى "الدجالين"
أقرا المزيد

مواضيع تهمك

تلوث الهواء يقتل 600 ألف طفل سنويا

كشفت منظمة الصحة العالمية عن أن تلوث الهواء يودى بحياة ما يقدر بنحو 600 ألف طفل سنويا ويؤدى إلى أعراض تتراوح بين فقد الذكاء إلى البدانة والتهابات الأذن.
أقرا المزيد

ابتكار ثدي صناعي لإرضاع الطفل

ابتكر الأمريكي أيال لانتيرناري زجاجة حليب ثورية على شكل ثدي، بمميزات تسهل عملية إرضاع الأطفال.
أقرا المزيد

البكاء يخفف الضغط العصبي

كشف الدكتور هايدفومي يوشيدا، خبير الطب النفسي الياباني، عن أن البكاء يساعد في تخفيف التوتر والضغط العصبي أكثر من النوم أو كوب دافئ من القهوة.
أقرا المزيد

مناديل الحمام تسبب أمراض محرجة

حذر خبراء الصحة من مناديل الحمّام المستخدم في العديد من دول العالم لأنه يسبب مشاكل صحية للإنسان.
أقرا المزيد

الأفلام الإباحية تدفع الرجال للسيليكون

أكدت دراسة بريطانية حديثة أن الأفلام الإباحية تسببت في ارتفاع عدد الرجال الذين يبحثون عن حشوات القضيب السيليكون.
أقرا المزيد

الضغوط العصبية تصغّر خلايا الذاكرة

كشفت دراسة حديثة عن أن الضغوط العصبية والنفسية تؤثر على حجم خلايا الذاكرة، إذ تجعلها أصغر.
أقرا المزيد

أترك تعليقا

يجب أن تملا جميع الخانات